ابن سبعين
179
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [ يونس : 5 ] . فهو نور بما يظهر من طمس الظلمة ، وهو ظلمة بما هو باد من بوادي الخلق ، حجاب من دون نور الحق . قال صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة رضي اللّه عنها وقد نظرت القمر : « استعيذي باللّه من شرّه ؛ فإنّه الغاسق إذا وقب « 1 » » ، فكلّ باد من الخلق ظلمة بوجه ما إلا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وآله . فهو نور لكل من أمّه من الأمم بما أبدى اللّه به من نوره وطمس مما سواه ، حتى شهد يبطل ما خلا اللّه ، وبمحو الكفر الذي تغطيته هي الظلمة التي محاها نوره ، فهو نور الأمم الذي لا يبقي لمن آمن به ظلمة من وراء نوره ، وذلك بما هو النور الأول . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه خلقني من نور « 2 » » ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم نور لا بقية لظلمة فيه ، بما هو فان عن نفسه قائم بربّه ، كما يقول هو صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنا حملتكم ، اللّه حملكم « 3 » » . وكما قيل في أنه شعاع ، نوره من أصحابه وأنصاره : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] . وكما قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم نور ليس في إنارته بقية ظلمة بما نزع اللّه ممن ائتمّ به واتّبعه ، خفيّ الشرك الباقي في خواص أمته ، فصاروا أئمة ، ولذلك كانوا نور الأمم الذي ينتهي إلى نوره الأنوار ويأتمّ به الأئمة ، فهو نور اللّه المستمد بمدد اللّه ، فلذلك هو نور لا يطفأ صلّى اللّه عليه وسلّم . فلما كان صلّى اللّه عليه وسلّم محيطا في خلقه بما كل خلق منه ومحيطا في أمره بما كل أمر من أمره كان صلّى اللّه عليه وسلّم مبينا أعلى أمر اللّه لأدنى خلق اللّه ، فهو نور اللّه البادي الذي أرسله ، وهو نور الأمم
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 2 / 589 ) ، والطيالسي في مسنده ( 1 / 208 ) . ( 2 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 12 / 286 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 6 / 2444 ) ، ومسلم ( 3 / 1268 ) ، والنسائي في الكبرى ( 3 / 126 ) ، وأحمد ( 4 / 398 ) ، وابن ماجة ( 1 / 681 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 13 / 229 ) ، والبزار في مسنده ( 8 / 51 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 10 / 51 ) .